Credit: Sailko/Wikipedia CC

كيف يمكن لمجموعة العشرين أن تبني على الصلابة التي اكتسبها الاقتصاد العالمي مؤخرا

مجموعة العشرين أمامها فرصة مهمة لتحويل تركيزها من إطفاء الصدمات المتعاقبة إلى وضع جدول أعمال متوسط الأجل يدعم تحقيق نمو قوي ومستدام ومتوازن واحتوائي.

من الملائم تماما عقد اجتماع وزارء المالية ومحافظي البنوك المركزية هذا الأسبوع في جناح بينالي ساو باولو الذي صممه المعماري الشهير أوسكار نيماير. فمع خيوطه الانسيابية وواجهته الجاذبة للانتباه، يرمز هذا المعلم التذكاري إلى جرأة البرازيل الحديثة.

وآمل أن تستمد مجموعة العشرين الإلهام من هذا المَعْلَم لتعمل بجرأة هي أيضا. ففي ظل تحسن الآفاق العالمية على المدى القريب مؤخرا، يجد صناع السياسات في مجموعة العشرين أمامهم فرصة لكي يعيدوا بناء زخم السياسات، ويضعوا نصب أعينهم هدف تحقيق مستقبل أكثر إنصافا وازدهارا واستدامة وتعاونا.

وبعد عدة سنوات من الصدمات، نتوقع أن يبلغ النمو العالمي 3,1% هذا العام، مع هبوط التضخم وتماسك أسواق العمل. وتمنح هذه الصلابة أساسا لتحويل موضع تركيز المجموعة نحو الاتجاهات العامة متوسطة الأجل التي تشكل الاقتصاد العالمي. وكما يتضح من تقريرنا الجديد* إلى مجموعة العشرين، فإن بعض هذه الاتجاهات – مثل الذكاء الاصطناعي – يبشر بزيادة الإنتاجية وتحسين آفاق النمو. ونحن في أمس الحاجة إلى ذلك – فتوقعاتنا تشير إلى انخفاض النمو على المدى المتوسط إلى أدنى مستوياته خلال عقود.

وانخفاض النمو العالمي يؤثر على الجميع، وإن كان ينطوي على انعكاسات مثيرة للقلق في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية بصفة خاصة. ولقد استطاعت هذه البلدان أن تتجاوز صدمات عالمية متعاقبة على نحو مثير للإعجاب، تدعمها أطر أقوى على مستوى المؤسسات والسياسات. ولكن تباطؤ آفاق نموها جعل تقاربها مع الاقتصادات المتقدمة أبعد منالا.

وهناك عوامل أخرى تسهم في تعقيد الصورة العالمية. فالتشرذم الجغرافي-الاقتصادي آخذ في التعمق مع تحويل البلدان لاتجاهات التجارة والتدفقات الرأسمالية. والمخاطر المناخية آخذة في التزايد وتؤثر بالفعل على الأداء الاقتصادي، من الإنتاجية الزراعية إلى إمكانية الاعتماد على النقل وحتى إتاحة التأمين وتكاليفه. وقد تؤدي هذه المخاطر إلى إعاقة المناطق التي تزخر بأكبر الإمكانات الديمغرافية، مثل إفريقيا جنوب الصحراء.

معالجة الديون والتضخم  

وعلى هذه الخلفية، فإن جدول أعمال مجموعة العشرين برئاسة البرازيل يلقي الضوء على قضايا رئيسية مثل الاحتواء والاستدامة والحوكمة العالمية، مع ما نرحب به من تركيز على القضاء على الفقر والجوع. وجدول الأعمال الطموح هذا، الذي يعمل صندوق النقد الدولي على دعمه، يمكن أن يكون مرشدا لصناع السياسات في هذه اللحظة المحورية من التعافي العالمي.

الانتهاء من العمل على خفض التضخم

محافظو البنوك المركزية محقون في تركيزهم على الانتهاء من العمل على خفض التضخم وإعادته إلى المستوى المستهدف. ولهذا الأمر أهميته بصفة خاصة للأسر الفقيرة والبلدان منخفضة الدخل التي تضررت أكثر من غيرها من جراء ارتفاع الأسعار. ولكن التقدم الذي نرحب به نحو تخفيض التضخم يعني أنه يتعين على البنوك المركزية الكبرى أن تنظر بحرص هذا العام في مسألة تحديد توقيت تخفيض أسعار الفائدة ومقدار هذا الانخفاض.

وبينما لا يزال التضخم الأساسي مرتفعا في كثير من البلدان، واحتمالات تجاوز التضخم للتوقعات لا تزال باقية، يجب على صناع السياسات تتبع تطورات التضخم الأساسي بدقة وتجنب التيسير في وقت سابق لأوانه بكثير أو بوتيرة أسرع مما يلزم بكثير.

ولكن عندما يتحرك التضخم بوضوح نحو المستوى المستهدف، ينبغي للبلدان أن تضمن عدم بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة طويلة للغاية. واستجابة البرازيل المبكرة والحاسمة في مواجهة الارتفاع الكبير في التضخم أثناء الجائحة مثال جيد على النتائج الممكنة بفضل السرعة في صُنع السياسات. وكان بنك البرازيل المركزي من أولى البنوك المركزية التي رفعت سعر الفائدة الأساسي، ثم أقدم على تسيير سياسته مع هبوط التضخم نحو نطاقه المستهدف.

معالجة الديون والتضخم

بينما التضخم آخذ في التراجع والاقتصادات في وضع أفضل يؤهلها لاستيعاب تشديد موقف المالية العامة، حان الوقت للتركيز مجددا على إعادة بناء الاحتياطيات الوقائية لمواجهة الصدمات المستقبلية، وكبح ارتفاع الدين العام، وإتاحة الحيز اللازم لأولويات الإنفاق الجديدة. والانتظار يمكن أن يدفع إلى تصحيح شاق فيما بعد. ولكن، لكي تظل هذه المنافع مستدامة، ينبغي مواصلة التشديد مع مراعاة ضبط وتيرته بدقة. 

والتوصل إلى التوازن الصحيح ليس بالأمر اليسير، في ظل ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف خدمة الديون وما تفرضه من ضغوط على الموازنات – مما يضيق الحيز المتاح أمام البلدان لكي تقدم الخدمات الضرورية وتستثمر في البشر وفي البنية التحتية. وأي حركة لدفع الدين والعجز نحو الانخفاض ينبغي أن تكون مبنية على خطط موثوقة متوسطة الأجل للمالية العامة. وينبغي أن تتضمن كذلك تدابير للحد من التأثير على الفقراء والأسر المعرضة للمخاطر مع حماية الاستثمارات ذات الأولوية.

تنمية الكعكة الاقتصادية 

ومن الضروري كذلك أن تواصل البلدان اتخاذ خطوات مهمة نحو تعبئة الإيرادات والتخلص من أوجه عدم الكفاءة. وكان للبرازيل دور قيادي في هذا المجال من خلال إصلاحها التاريخي لضريبة القيمة المُضافة. ولكن هناك الكثير من البلدان المتأخرة عن الركب، بينما المجال متاح لتوسيع قواعدها الضريبية، وسد الثغرات، وتحسين إداراتها الضريبية. ولهذا السبب طلبت إلينا مجموعة العشرين إطلاق مبادرة مشتركة مع البنك الدولي لمساعدة البلدان على زيادة تعبئة مواردها المحلية.

وإضافة إلى ذلك، ينبغي أن تهدف البلدان إلى بناء نظم ضريبية أكثر احتواء وشفافية، وضمان مراعاة البنيان الضريبي الدولي لمصالح البلدان النامية.

ونواصل العمل كذلك في ظل اجتماع المائدة المستديرة بشأن الديون السيادية العالمية* للخروج بإجراءات تُعَجِّلُ عمليات إعادة هيكلة الديون وزيادة الوضوح في مسارها. ومع كل ما تحقق من تقدم في ظل الإطار المشترك لمجموعة العشرين، حيث أصبح عقد اتفاقيات لمعالجة الديون من قِبَل الدائنين الرسميين يستغرق وقتا أقصر، قد يقتضي الأمر المُضي بخطى أسرع نحو تحسين البنيان العالمي لإعادة هيكلة الديون.

تنمية الكعكة الاقتصادية

يتعين أن يسارع صناع السياسات بمعالجة محركات النمو على المدى المتوسط جنبا إلى جنب مع التدابير النقدية والمالية التي تبني أسسا قوية.

ولا تزال هناك فرص متاحة في كثير من البلدان لتخفيف أشد القيود التي تعوق النشاط الاقتصادي. ويمكن إطلاق عنان مكاسب الإنتاجية في اقتصادات الأسواق الصاعدة من خلال الإصلاحات في مجالات مثل الحوكمة وتنظيم أنشطة الأعمال وسياسات القطاع الخارجي. غير أن هذا ليس سوى جزء من القصة وحسب: يجب على الاقتصادات أن تعد العدة كذلك للاستفادة من القوى الهيكلية التي ستحدد ملامح العقود القادمة.

ولننظر إلى اقتصاد المناخ الجديد. فبالنسبة لبعض البلدان والمناطق، سوف يساعدها على توفير فرص العمل والابتكار والاستثمار. وبالنسبة للبلدان التي تعتمد على الوقود الأحفوري بكثافة، قد يكون الأمر أصعب. والسؤال هو كيف يمكن الاستفادة بأكبر قدر من الفرص المتاحة والحد من المخاطر.

إن السياسات التي تجعل المتسببين في التلوث يدفعون الثمن – مثل تسعير الكربون – يمكن أن تخلق الحوافز على التحول إلى الاستثمارات وأوجه الاستهلاك منخفضة الكربون. ويتضح من البحث* الذي أجراه صندوق النقد الدولي أن البلدان التي تتخذ إجراء يخص المناخ غالبا ما تحفز الابتكار الأخضر وتجذب التدفقات الداخلة من التكنولوجيا والاستثمارات منخفضة الكربون. وكذلك، فإن فرض ضرائب على أكثر أشكال النقل الدولي المسببة للتلوث من شأنه أن يزيد الإيرادات التي يمكن استخدامها في مكافحة تغير المناخ والجوع وفي دعم أكثر السكان تعرضا للمخاطر.

ولكن بالنسبة لكثير من البلدان المعرضة للمخاطر، لن يكون اكتساب النمو مزيدا من القوة كافيا في حد ذاته للاستفادة من إمكاناتها – فسوف تحتاج إلى دعم خارجي، مالي وفني على حد سواء.

ويشير هذا الأمر إلى أهمية وجود بنيان دولي يستطيع أن يواكب الديناميكيات المتغيرة للاقتصاد العالمي.

نظام دولي أقوى

نحن نعيش في عالم من الاستقطاب المتزايد كما تبين من الصراعات العسكرية التي اندلعت مؤخرا. وتتسبب هذه التوترات في تشرذم الاقتصاد العالمي على امتداد الخطوط الجغرافية–السياسية، فقد فُرِضَ حوالي 3 آلاف إجراء مُقَيِّدٍ للتجارة في عام 2023، وهو ما يصل إلى حوالي ثلاثة أضعاف الإجراءات في عام 2019. ومن غير المتوقع أن يجني أي بلد أي مكسب من انقسام الاقتصاد العالمي إلى كتل مختلفة. ولا بد من استعادة الاعتقاد في أهمية التعاون الدولي.

فقد شهد صندوق النقد الدولي تطورا مستمرا لتلبية احتياجات بلدانه الأعضاء على مدار الثمانية عقود التي مضت منذ إنشائه. ومنذ تفشي الجائحة، قدمنا 354 مليار دولار في هيئة تمويل إلى 97 بلدا، منها 57 بلدا منخفض الدخل. ونظرا لاحتمال مواجهة البلدان أزمات أكبر وأشد تعقيدا، يجب عليها أن تعمل معا لتعزيز شبكة الأمان المالي العالمية، في صدارتها صندوق النقد الدولي.

والعام الماضي، منحتنا البلدان الأعضاء دعما قويا تعبيرا عن ثقتها في الصندوق. فمن بين الإجراءات الأخرى، كثفت هذه البلدان الجهود لتحقيق أهداف تعبئة الموارد التي وضعناها من أجل الصندوق الاستئماني للنمو والحد من الفقر الذي يقدم قروضا بدون فوائد إلى البلدان منخفضة الدخل. واتفقت بلداننا الأعضاء على زيادة مواردنا الدائمة المستمدة من الحصص بنسبة 50%. وفي استطاعة مجموعة العشرين أن تقود المسيرة من خلال التعجيل بالمصادقة على زيادة الحصص، مما سيسمح لنا بالمحافظة على طاقتنا الإقراضية والحد من اعتمادنا على الموارد المُقْتَرَضَة.

لكننا يمكننا – بل ويجب علينا – أن نفعل المزيد. وقد أدرك أعضاؤنا كذلك أهمية تعديل أنصبة حصص العضوية لكي تعبر بصورة أفضل عن المراكز النسبية للبلدان الأعضاء في الاقتصاد العالمي، مع حماية أصوات أفقر البلدان الأعضاء. وبينما نضع هذا الهدف نصب أعيننا، نعمل على تطوير مناهج ممكنة لإعادة المواءمة، بسبل منها وضع صيغة جديدة لحصص العضوية. ويأتي ذلك إضافة إلى تخصيص مقعد ثالث لإفريقيا جنوب الصحراء في مجلسنا التنفيذي وإجراء عملية الانتخاب أثناء الاجتماعات السنوية لهذا العام – وهي خطوة مهمة تكمل الوضع الجديد للاتحاد الإفريقي كعضو دائم في مجموعة العشرين.

وسيكون التعاون العالمي ضروريا في السنوات القادمة للتعامل مع التشرذم الجغرافي-الاقتصادي وتنشيط التجارة، وتحقيق الاستفادة القصوى من إمكانات الذكاء الاصطناعي دون توسيع فجوة عدم المساواة، ومنع حدوث اختناقات في الديون، ومواجهة تغير المناخ.

وقد قال أوسكار نيماير ذات مرة "المعمار ابتكار".

وكان تأسيس البنيان الاقتصادي والمالي العالمي عملا فذا شجاعا من الابتكارات الجماعية التي ساهمت في رفع مستوى معيشة الملايين من الناس. والآن، بات التحدي هو جعله أقوى وأكثر إنصافا، وأكثر توازنا، وأكثر استدامة، لكي يستطيع الملايين الانتفاع منه. ولبلوغ هذا الهدف، يجب علينا توجيه تلك الروح المبتكِرة من جديد.

*بالانجليزية