Credit: JurgaR/iStock by Getty Images

الدول الإفريقية الهشة تتكبد أفدح الخسائر بفعل تغير المناخ

يجب على الشركاء الدوليين دعم أشد بلدان القارة تعرضا للمخاطر لكي تتكيف مع الظواهر المناخية الحادة – وإلا فمن شأن تداعياتها أن تسبب مزيدا من الاضطراب

يفرض تغير المناخ تهديدات خطيرة على البلدان في أنحاء إفريقيا – وإن كان ذلك يطال الدول الهشة والمتأثرة بالصراعات بصفة خاصة. وعندما يجتمع قادة القارة في كينيا الأسبوع القادم لعقد قمة المناخ الإفريقية، من الضروري أن يخرجوا بحلول لدعم هذه البلدان المعرضة للمخاطر.

من جمهورية إفريقيا الوسطى إلى الصومال وحتى السودان، تعاني الدول الهشة  أكثر من البلدان الأخرى من الفيضانات وموجات الجفاف والعواصف وغيرها من الصدمات ذات الصلة بالمناخ، في حين أنها لم تساهم في تغير المناخ إلا بالنزر اليسير. وكل عام، تصل أعداد المتضررين من الكوارث الطبيعية في الدول الهشة إلى ثلاثة أضعاف أمثالهم في البلدان الأخرى. وتفضي الكوارث في الدول الهشة إلى نزوح أعداد من السكان تبلغ ضعف نسبة السكان النازحين في البلدان الأخرى.

وكذلك فإن درجات الحرارة في الدول الهشة أعلى بالفعل مما هي في البلدان الأخرى بسبب موقعها الجغرافي. وبحلول عام 2040، من الممكن أن تواجه الدول الهشة درجات حرارة أعلى من 35 درجة مئوية في المتوسط على مدار 61 يوما في السنة – أي أعلى بمقدار أربعة أضعاف من البلدان الأخرى. فموجات القيظ، وما يصاحبها من ظواهر مناخية حادة أكثر تواترا، ستُعَرِّض صحة الإنسان للخطر وتضر بالإنتاجية وفرص العمل في قطاعات رئيسية مثل الزراعة والبناء.

 

083023-figure1

وتتوصل دراسة جديدة صادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أدلة على أن لتغير المناخ بالفعل تكاليف اقتصادية كلية أطول أمدا تتكبدها الدول الهشة. وبعد مُضي ثلاث سنوات على وقوع ظواهر مناخية حادة، تصل الخسائر التراكمية في إجمالي الناتج المحلي للدول الهشة إلى 4%. ويقابل ذلك حوالي 1% في البلدان الأخرى. وتشير التوقعات إلى أن موجات الجفاف في الدول الهشة سوف تخفض نصيب الفرد من نمو إجمالي الناتج المحلي فيها بنحو 0,2 نقطة مئوية كل عام. ويعني ذلك أن مستويات الدخل في الدول الهشة سوف تزداد تأخرا عن اللحاق بركب مثيلاتها في البلدان الأخرى.

ولا يقتصر السبب وراء ما تسببه الظواهر المناخية من آثار أشد ضررا في الدول الهشة على وقوعها جغرافيا في أحر البُقع على وجه الأرض وحسب، وإنما يرجع كذلك إلى الصراعات والاعتماد على الزراعة البعلية وتدني مستوى القدرات على مواجهة المخاطر.

ويُفضي الصراع إلى إضعاف قدرة الدول الهشة على التعامل مع المخاطر المناخية. ففي الصومال، على سبيل المثال، كانت المناطق الأشد تضررا من انعدام الأمن الغذائي والجوع نتيجة لفترة الجفاف التي استمرت طويلا في 2021–2022 خاضعة لسيطرة جماعات إرهابية أحبطت محاولات وصول المساعدات الإنسانية.

الصراع والجوع

تفضي الصدمات المناخية كذلك إلى زيادة أوجه الهشاشة الأساسية سوءا، مثل الصراع والجوع، وهو ما يزيد من تفاقم تأثيرهما على الاقتصاد وعلى رفاهية الناس. وتشير تقديراتنا إلى أنه في ظل سيناريو ارتفاع الانبعاثات، مع تساوي العوامل الأخرى، يمكن أن ترتفع نسبة الوفيات نتيجة الصراعات إلى مجموع السكان بما يقرب من 10% في الدول الهشة بحلول عام 2060. وسوف يفضي تغير المناخ إلى معاناة 50 مليون نسمة إضافية من الجوع في الدول الهشة بحلول 2060.

وترجع الخسائر المتزايدة من جراء الظواهر المناخية كذلك إلى اعتماد الدول الهشة على الزراعة البعلية. فالزراعة تمثل ما يقرب من ربع الناتج الاقتصادي في الدول الهشة، غير أن المساحات الزراعية التي تُروى بمياه القنوات والخزانات وما شابهها لا تكاد تتجاوز 3%. وتتعرض المزارع البعلية بصفة خاصة لمخاطر موجات الجفاف والفيضانات. وفي الحالات التي تتوافر فيها بنية تحتية للري، غالبا ما تكون رديئة التصميم أو في حالة سيئة نتيجة للإهمال أو طالها الدمار بسبب الصراع.

وفي وسط مالي، على سبيل المثال، يرجع أحد أسباب الفيضانات على امتداد نهر النيجر إلى فرار المزارعين من القتال والحالة المتردية التي وصلت إليها قنوات تصريف المياه. وكان مشروع الجزيرة للري في السودان يغطي ذات يوم 8 آلاف كيلو متر من الأراضي الزراعية الخصبة إلا أنه تقلص إلى أقل من نصف تلك المساحة نتيجة لرداءة صيانته.

وأخيرا، ترجع زيادة الخسائر الناجمة عن الصدمات المناخية كذلك إلى الافتقار إلى الإمكانات المالية. وفي ظل تجاوز التمويل اللازم للتكيف مع تغير المناخ ما في وسع الدول الهشة والمتأثرة بالصراعات أن توفره بنفسها، هناك حاجة ملحة إلى دعم كبير ومستمر من شركاء التنمية الدوليين – بتقديم التمويل المُيَسَّر وتنمية القدرات على حد سواء – لتجنب تفاقم أزمات الجوع والصراعات التي يمكن أن تدفع إلى النزوح القسري والهجرة.

اعتبارات على صعيد السياسات

على مستوى صناع السياسات في هذه البلدان، تتضمن التدخلات بالغة الأهمية وضع سياسات تسهل التحرك الفوري في مواجهة الصدمات المناخية، مثل بناء الهوامش الاحتياطية من خلال تعبئة مزيد من الإيرادات المحلية، وتخفيض الدين العام والعجز، وزيادة الاحتياطيات الدولية. وتتوصل هذه الدراسة بالفعل إلى أن البلدان الهشة التي تمتلك هوامش وقائية تتعافي من الظواهر المناخية الحادة بوتيرة أسرع. وكذلك فإن تقوية شبكات الأمان الاجتماعي والاستفادة من نظم التأمين تشكلان عنصرا أساسيا لتمويل التعافي في حالة حدوث ظواهر كارثية.  وإضافة إلى ذلك، يتعين على البلدان الهشة أن تطبق سياسات تهدف إلى بناء القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ بمرور الوقت بما في ذلك زيادة الاستثمارات في البنية التحتية القادرة على تحمل تغير المناخ. 

ويسعى صندوق النقد الدولي إلى تكثيف دعمه للدول الهشة التي تواجه التحديات المناخية من خلال تقديم مشورة مصممة بدقة بشأن السياسات وتوفير المساعدة الفنية وتنمية القدرات. وتعزز استراتيجيتنا تكوين فهم أعمق لمحركات الهشاشة، وتصميم البرامج لأغراض خاصة، وزيادة تنمية القدرات، والتضافر مع الشركاء الآخرين العاملين في هذه البلدان. ونقدم كذلك الدعم المالي من خلال التسهيلات المعتادة، والتمويل الطارئ، ومؤخرا من خلال تسهيلنا الجديد وهو تسهيل الصلابة والاستدامة

وهذه الجهود التي يبذلها صندوق النقد الدولي والمبادرات الأخرى الحالية التي أطلقها الشركاء التجاريون لا تزال نقطة في بحر الجهود الكبيرة اللازمة على مستوى المجتمع الدول برمته لحماية أضعف الفئات. ويمكن أن تشكل قمة المناخ الإفريقية خطوة على الطريق نحو إيجاد حلول فعالة لتخفيف التأثير المدمر للكوارث الطبيعية وموجات الجفاف على شعوب القارة واقتصاداتها.

– تعكس هذه التدوينة المساهمات البحثية لكل من لورا خارامييو، وأليونا تشبوتاري، ويورو دياللو، وريا غوبتا، ويوغو كوشيما، وشاندانا كولاراتني، ودانييل جيونغ داي لي، وسيدرا رحمن، وكالين تينشيف، وفانغ يانغ.